HIDUP ADALAH UJIAN

SELAMAT DATANG DI BLOG " KHAIRUL IKSAN "- Phone : +6281359198799- e-mail : khairul.iksan123@gmail.com

Senin, 20 Maret 2023

اختلاف المطالع من الناحية الفقهية

اتفق الفقهاء من مختلف المذاهب على وجوب صيام شهر رمضان برؤية الهلال[1]؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))[2]. 

وإنما وقع الخلاف بينهم فيما إذا رُئي الهلال في بلد ولم يُرَ في بلد آخر، وجملة أقوالهم في ذلك تعود إلى أربعة:

القول الأول: إذا رئي الهلال في بلد لزم جميع البلاد العملُ بهذه الرؤية، والصيام بموجبها، وهو رأي الحنفية، والحنابلة، واختاره الليث بن سعد، وهذه بعض نصوصهم:

في المذهب الحنفي:

جاء في فتح القدير: ((وإذا ثبت في مصرٍ لزم سائرَ الناس، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، في ظاهر المذهب))[3]، وزاد ابن عابدين قوله: ((وهو المعتمد عندنا))[4].

 

وفي المذهب الحنبلي:

جاء في الإنصاف: ((قوله: وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، لزم الناسَ كلَّهم الصومُ، لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره، إن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضًا، وإن اختلفت المطالع، فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضًا))[5]، وفي المغني: ((وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصومُ، وهذا قول الليث))[6].

وينضم إلى هذا الرأي بعض المالكية وبعض الشافعية؛ ففي المنتقى: (وإذا رأى أهل البصرة هلال رمضان، ثم بلغ ذلك أهلَ الكوفة والمدينة واليمن، فالذي رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك: لزمهم الصيامُ، أو القضاء إن فات الأداء)[7].

وفي طرح التثريب للعراقي: (وقال آخرون: إذا رُئي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ .. وإليه ذهب القاضي أبو الطيب، والروياني، وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه)[8].

أدلة هذا القول: الكتاب - السنة - المعقول:

1- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، فهذه الآية دليل على وجوب الصيام متى ثبت دخول الشهر بالرؤية، فإذا ثبت برؤية في بلد، لزم الجميعَ الأخذُ بها، ويؤخذ على هذا الاستدلال: أن الآية عامة، ومعناها - كما قال الطبري -: (من دخل عليه شهر رمضان، وهو مقيم في داره، فعليه صوم الشهر كله)[9].

2- من السنَّة: عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطِروا لرؤيته؛ فإن غمِّي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين))[10]، وجاء في كشاف القناع: أن هذا خطاب للأمة كافة، فمتى ثبتت رؤية الهلال في بلد لزم جميعَ البلدان الأخذُ بهذه الرؤية[11]، ويؤخذ على هذا الاستدلال أن الخطاب موجَّه لأهل كل بلد، فمتى ثبتت الرؤية في بلد لزم جميعَ مَن في البلد الصومُ، ولا يلزم جميع البلاد[12].

3- من المعقول: الشهر اسم لما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام، فيجب صيامه بالنص والإجماع[13]، وما دام قد ثبت أن هذا اليوم من رمضان بشهادة الثقات عندهم، فكذلك في كل مكان؛ إذ التفرقةُ تحكُّمٌ يحتاج إلى دليل، وليس ثمة دليل يوجب التخصيص[14].


القول الثاني:

وهو المعتمد في المذهب المالكي، ومضمونه: أن الهلال إذا رُئي في بلد لزم الصومُ البلادَ القريبة والبعيدة، أما البلاد البعيدة جدًّا فلا يلزمهم الأخذ بهذه الرؤية.

واستدلوا بما سبق من أدلة الرأي الأول، واستثنوا البلاد البعيدة جدًّا للإجماع[15]. 

جاء في مواهب الجليل ما خلاصته: أن الحكم بثبوت رمضان يعم كلَّ مَن نُقل إليه، إذا نُقل بشهادة عدلينِ، أو نُقل باستفاضة، وأجمعوا على عدم لحوق رؤيتِه ما بعُد؛ كالأندلس من خراسان[16].

 

القول الثالث:

إذا رئي الهلال في بلد لزم الصومُ ما قرُب من البلدان دون ما بعُد، وهذا قول جمهور الشافعية، وقول عند الحنابلة، وقال به بعض الحنفية وبعض المالكية، وهذه بعضُ نصوصهم:

في المذهب الشافعي:

ورد في المجموع: (إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يرَوْه في غيره، فإنْ تقارَب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهلَ البلد الآخر الصومُ بلا خلاف، وإن تباعدا فوجهان مشهوران في الطريقتين، أصحهما: لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى)[17].

في المذهب الحنبلي:

في الإنصاف: (وإذا رأى الهلالَ أهلُ بلد لزم الناسَ كلَّهم الصومُ، لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره: إن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضًا، وإن اختلفت المطالع فالصحيح من المذهب لزوم الصوم أيضًا ... وقيل: تلزم مَن قارب مطلعهم، اختاره شيخنا - يعني به الشيخ تقي الدين، وقال في الفروع: وقال شيخنا - يعني به الشيخ تقي الدين -: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا)[18].

في المذهب الحنفي:

قال الزيلعي: (ولا عبرة باختلاف المطالع، وقيل: يعتبر .. والأشبه: أنه يُعتبَر؛ لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم، وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار)[19].

في المذهب المالكي:

ذكر ابن عبدالبر أن بعض العلماء قال باعتبار اختلاف المطالع، وأن بعضهم قال بعدم اعتباره، ثم قال: (إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثرًا مرفوعًا، وهو حديث حسَن تلزم به الحجةُ، وهو قول صاحبٍ كبير لا مخالفَ له من الصحابة، وقول طائفة من التابعين، ومع هذا: إن النظر يدل عليه عندي)[20].

أدلة هذا القول:

عمدة الاستدلال للقول الثالث حديث كريب، الذي رواه مسلم[21]، وأن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجه الاستدلال:

أن ابن عباس وأهلَ المدينة لم يعتدُّوا برؤية أهل الشام، وقول ابن عباس: (هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) يدل على أن هذا ليس من اجتهاده، وإنما هو امتثال لِما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا الحديث حجة في عدم اعتبار رؤية البلدان المتباعدة، وأن لأهل كل بلد رؤيتَهم[22].

ناقش المخالفون حديث كريب من وجهين:

1- يحمل الحديث على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده، بل لا بد من شهادة رجُلين، أو استفاضة.

2- الحجة إنما تكون في المرفوع من رواية ابن عباس، وليس في اجتهاده، وهذا المرفوع يخالفه حديثٌ صحيح - تقوم به الحجة - وهو ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن بلفظ: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تُفطروا حتى تروه؛ فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين))[23]، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين؛ فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم[24].

 

القول الرابع:

قال به عكرمة - مولى ابن عباس - والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وإسحاق بن راهويه: أن لكل بلد رؤيته الخاصة به، ولا يلزم برؤية غيره، واستدلوا على ذلك بحديث كريب المتقدم[25].

خلاصة وترجيح:

يمكن رد الأقوال الفقهية في مسألة المطالع إلى اتجاهين:

أولهما: لا يعتد باختلاف المطالع؛ فإذا رئي الهلال في بلد لزم جميعَ البلاد العملُ بهذه الرؤية، وهذا هو المشهور عند الحنفية والحنابلة، واختاره الليث بن سعد، وحكاه البغوي عن الشافعي، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وهو ما رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك، ويمكن أن نقول: إنه رأي المالكية، بعد أن نقلنا عدم ثبوت ما ادعَوْه من الإجماع على عدم لحوق رؤية الهلال ما بعُد من البلاد؛ كالأندلس من خراسان.

والاتجاه الآخر: يعتد باختلاف المطالع، فلا يلتزم أهلُ البلد الذي لم يَرَ الهلال برؤية غيرهم، إلا إذا كان بين البلدين تقارُب، حدده البعض بحسب مطالع الشمس والقمر، وحدده البعض الآخر بحسب الأقاليم، ورأى بعضهم تحديده بمسافة القصر، وهذا الاتجاه يمثل قول جمهور الشافعية، وهو قول عند الحنابلة، وأخذ به بعض الحنفية وبعض المالكية، ويمكن أن نضم إليه ما نقل عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق.

وبناءً على ذلك نقول: إن مسألة اعتبار اختلاف المطالع أو عدم اعتباره من المسائل الاجتهادية التي يسُوغ الخلاف فيها، ولا يرجح الدليل أحد الاتجاهين على الآخر؛ لتقارب الأدلة، ومع ذلك فإني أميل إلى الاتجاه الذي يعتبر اختلاف المطالع؛ لأنه يضم ابن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن - وعكرمة والقاسم وسالِمًا وإسحاق، وهو قول جمهور الشافعية، وقول في المذهب الحنبلي، وبه قال بعض الحنفية - منهم الزيلعي - وبعض المالكية - منهم ابن عبدالبر - وهذا هو المتبادر إلى الفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمِّي عليكم الشهر، فعدوا ثلاثين))؛ ذلك أن الهلال لا يظهر - في نفس الوقت - لكل أهل الأرض، ولا يحجبه الغيم عن كل أهل الأرض، فتكون لكل بلد رؤيته، وفق الضوابط الآتية[26]:

1- أن الشمس والقمر وسائر الكواكب إذا طلعت على بلد واقع على أحد خطوط الطول - ممتدًّا من الشمال إلى الجنوب - كانت مشرقة على جميع البلدان الواقعة على هذا الخط.

2- كل البلاد الواقعة غربي هذا الخط يكون الهلال ثابتًا عندها - مهما اختلفت المطالع - وكلما كانت البلاد أشد بُعدًا من جهة الغرب، كان الهلال أظهر.

3- متى ابتدأت رؤية الهلال على خط من خطوط الطول، فجميع البلاد التي تقع شرقه لا يكون الهلال ظاهرًا فيها، ولا يرى إلا في الليلة التالية، وعلى هذا يفسر حديث كريب؛ حيث رأى الهلال في دمشق (45 درجة - خط الطول الشرقي من جرينتش) ليلة الجمعة، ورآه أهل المدينة (50 درجة - خط الطول الشرقي) ليلة السبت.

4- لا اختلاف بين أهل الأرض قاطبة في رؤية الهلال إلا بليلة واحدة فقط؛ لأن الهلال إذا ظهر في بلدة ولم يظهر فيما قبلها، فإنه يتم دورته بعد أربع وعشرين ساعة، فيراه جميع سكان المعمورة.

 المراجع : 


[1] المرداوي، الإنصاف بتحقيق التركي: 1419هـ - 1998م، ج 7 ص 335 (لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه).

[2] رواه مسلم، في باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، من كتاب الصيام: 2/ 759.

[3] ابن الهمام، فتح القدير، ط 1397هـ - 1977م، ج 2/ 243.

[4]ابن عابدين، حاشية رد المحتار: 2/ 393.

[5]المرداوي، الإنصاف: 7/ 335 - 336.

[6]ابن قدامة، المغني بتحقيق التركي والحلو: 1417هـ - 1997، ج 4 ص 328.

[7]الباجي، المنتقى شرح الموطأ، ط. دار الكتاب الإسلامي: 2/ 37.

[8] العراقي، طرح التثريب، ط. دار الفكر العربي: 4/ 116.

[9]الطبري، جامع البيان: 2/ 146.

[10] البخاري مع الفتح: 4/ 119، ومسلم بشرح النووي: 7/ 193.

[11]البهوتي، كشاف القناع: 2/ 303.

[12]ابن حجر، فتح الباري: 4/ 123.

[13]ابن قدامة، المغني: 4/ 329.

[14]الدريني، الفقه الإسلامي المقارن، ص 572.

[15]ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 89.

[16]الحطاب، مواهب الجليل: 3/ 284.

[17]النووي، المجموع: 6/ 280 - 281.

[18] المرداوي، الإنصاف: 7/ 335 - 336.

[19]الزيلعي، تبيين الحقائق: 1/ 321، وفي شرح فتح القدير مثل ذلك: 2/ 213.

[20]ابن عبدالبر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ط. الفاروق الحديثة: 1422هـ: 7/ 159 - 160، ومثل ذلك في المنتقى: 2/ 37.

[21]صحيح مسلم، كتاب الصيام (ح 1087)، ومسلم بشرح النووي (7/ 197)، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم الهلال.

[22]القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 2/ 295.

[23] البخاري مع الفتح: 4/ 119 - 120، مسلم بشرح النووي: 7/ 189 - 194.

[24]الشوكاني، نيل الأوطار: 4/ 195.

[25]ابن قدامة: المغني: 4/ 328.

[26]أحمد الفريح، أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها، غير منشور، الرياض: 1426هـ، ص 179 - 180، نقلًا عن رسالة الهلال لطنطاوي جوهري، ص 38 - 40. اختلاف المطالع من الناحية الفقهية (alukah.net)

المصدر :

اختلاف المطالع من الناحية الفقهية (alukah.net) 

نبذة عن كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " وعن مؤلِّفه

 

السؤال

أريد من فضيلتكم نبذة عن كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " للشيخ عبد الرحمن الجزيري ، وهل هو كتاب جيد أم لا ؟ . وجزاكم الله خيراً .

الجواب

الحمد لله.

أولاً:
المؤلفُ هو عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، ولد بجزيرة " شندويل " بمركز " سوهاج " بمصر عام 1299 هـ - 1882 م ، وتعلم في الأزهر وتفقه فيه على مذهب أبي حنيفة من عام 1313 هـ إلى عام 1326 هـ ، ثم درّس فيه وعُيّن مفتشاً لقسم المساجد بوزارة الأوقاف سنة 1330 هـ ، فكبيراً للمفتشين ، فأستاذاً في " كلية أصول الدين " ثم كان من أعضاء هيئة كبار العلماء ، وتوفي بحلوان سنة 1359 هـ - 1941 م .
والكتاب في الأصل من تأليف مجموعة من العلماء برعاية وزارة الأوقاف المصرية ، ثم كان للشيخ الجزيري العمل الأكبر في تحرير عباراته وتهذيبها وإصلاح ما انتقد على الكتاب عندما طبع أول مرة ، وكان له مشاركة كاملة في بعض أبوابه الفقهية ، ثم أخرج – رحمه الله – كتاباً بالاسم نفسه مستفيداً من تلك الجهود السابقة مع ما كتبه هو بنفسه وحرَّر مواضيعه ومسائله .

ثانيًا:
كتاب الشيخ الجزيري رحمه الله " الفقه على المذاهب الأربعة " معتنٍ بذكرِ المسائل ثم إيرادِ أصحابِ المذاهبِ وأقوالهم ، غير أنه خالٍ من ذكرِ أدلة كل مذهب .
وقد أبان المؤلِّف سببَ وضعه للكتاب إذ قال : " أصل وضع الكتاب كان الغرض منه تسهيل مواضيع الفقه الإسلامي على أئمة المساجد العلماء " انتهى .
وقد أوضح المؤلف أنه قد بذل في كتابه جهداً كبيراً مع الاعتناء بترتيبه ، إذ قال - كما في مقدمة الكتاب - : " وبالجملة فقد بذلت في هذا الكتاب مجهوداً كبيراً ، وحررته تحريراً تامّاً ، وفصَّلت مسائله بعناوين خاصة ، ورتبتها ترتيباً دقيقاً ، وما على القارئ إلا أن يرجع إليه ويأخذ ما يريده منه بسهولة تامة وهو آمن من الزلل ، إن شاء الله تعالى " انتهى .

ثالثاً:
مع ما حرصَ عليه المؤلف – رحمه الله - فقد اعترى مؤلَّفه هذا بعض المؤاخذات ، أهمها :
1. عدمُ تحريرِ المعتمدِ من الأقوال عند المذاهب ، بل اعتماده كان على المرجوح عند المذهب في بعض المسائل ، وقد تتبع كثيرٌ من الباحثين ذلك فوُجد أنه قد أخطأ في نسبة الأقوال إلى أصحابها من أهل المذاهب ، وليسَ ذلك في كلِّ ما كتب بل في كثيرٍ منها .
2. عدم توثيق النصوص ، فالمؤلَّف لا يعزو أي مقالةً لأصحابها ، ولا لأي مرجعٍ فقهي ، وكل هذا قادح في مادةِ الكتاب ، حتى وإن كان أوضح أن مرجع مادته الكتب الفقهية الأصلية .
وقد سئل الشيخ يوسف الشبيلي عن ذلك فقال : " أما كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " فلا أنصح بالاعتماد عليه ؛ فيه الكثير من الخلط " ! .
وقال الشيخ محمد بلتاجي في مقالةٍ له – نشرها في مجلة " الدارة " عام 1977م – : " لكننا نأخذ عليه إخلاء كتابه بصورة مطلقة من المراجع القريبة المنال وجوداً وفهماً لمن يقصدها من جمهرة المثقفين المسلمين غير المتخصصين في علوم الشريعة .
كما نأخذ عليه إخلاءه من بعض أدلة المذاهب التي لا يستعصي إدراكها على هذه الجمهرة المثقفة " .
3. نقصُ الكتاب وعدم تمامه ، كما يتضح من اطلع على الكتاب ونظر في مباحثه .
وقد نقلَ عن الشيخ عبد الكريم الخضير أنه قال عنه : " الكتاب غير كامل ، قد ينقل بعض المذاهب من كُتب غير مشهُورة في هذهِ المذاهب ، ويعتمد روايات غير معمُول بها في هذه المذاهب " انتهى .
والكتاب لا يصلح مرجعاً لمن أرادَ أن يعرفَ المعتمد والراجح في أقوال المذاهب الأربعة ، وكثرة أخطاء الكتاب جعلته مهجوراً عند العلماء والباحثين .

رابعاً:
ينبغي لمن أرادَ أن يعرفَ آراءَ المذاهب المحررة أن يأخذ الفقه من كتبِهم المعتمدة ، ومن لم يتيسر له ذلك فليأخذها من الكتب المعتنية بذكر الخلاف ممن عرف عنه العلم والتحقيق ، كالإمام النووي في كتابه " المجموع " – ولم يتمَّه - ، وابن قدامة في كتابه " المغني " ، ومن الكتب المعاصرة في ذلك كتاب " الموسوعة الفقهية الكويتية " وهي موسوعةٌ مشهورةٌ ، مرتبة مسائلها على الحروف الهجائية ، وقد اشتغل فيها عشرات العلماء والباحثين ، وأحسنُ ما فيها : شمولها ، وتحرير المذاهب الأربعة من الكتب المعتمدة عندهم .
وانظر – لما سبق - :
http://www.feqhweb.com/vb/t1890.html
و
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=33210


والله أعلم


نبذة عن كتاب " الفقه على المذاهب الأربعة " وعن مؤلِّفه - الإسلام سؤال وجواب (islamqa.info)

Sabtu, 11 Maret 2023

مَعْنَى الْهِدَايَةِ

 ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَوَّلًا مَا قَالُوهُ فِي مَعْنَى الْهِدَايَةِ لُغَةً مِنْ أَنَّهَا: الدَّلَالَةُ بِلُطْفٍ عَلَى مَا يُوَصِّلُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَهَا وَمَرَاتِبَهَا فَقَالَ مَا مِثَالُهُ: مَنَحَ اللهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ أَرْبَعَ هِدَايَاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى سَعَادَتِهِ.

1)    (أُولَاهَا) : هِدَايَةُ الْوُجْدَانِ الطَّبِيعِيِّ وَالْإِلْهَامُ الْفِطْرِيُّ. وَتَكُونُ لِلْأَطْفَالِ مُنْذُ وِلَادَتِهِمْ، فَإِنَّ الطِّفْلَ بَعْدَ مَا يُولَدُ يَشْعُرُ بِأَلَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِذَاءِ فَيَصْرُخُ طَالِبًا لَهُ بِفِطْرَتِهِ، وَعِنْدَمَا يَصِلُ الثَّدْيُ إِلَى فِيهِ يُلْهَمُ الْتِقَامَهُ وَامْتِصَاصَهُ.

2)    (الثَّانِيَةُ) : هِدَايَةُ الْحَوَّاسِ وَالْمَشَاعِرِ، وَهِيَ مُتَمِّمَةٌ لِلْهِدَايَةِ الْأُولَى فِي الْحَيَاةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَيُشَارِكُ الْإِنْسَانَ فِيهِمَا الْحَيَوَانُ الْأَعْجَمُ، بَلْ هُوَ فِيهِمَا أَكْمَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ حَوَاسَّ الْحَيَوَانِ وَإِلْهَامَهُ يَكْمُلَانِ لَهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ بِقَلِيلٍ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْمُلُ فِيهِ بِالتَّدْرِيجِ فِي زَمَنٍ غَيْرِ قَصِيرٍ، أَلَا تَرَاهُ عَقِبَ الْوِلَادَةِ لَا تَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ إِدْرَاكِ الْأَصْوَاتِ وَالْمَرْئِيَّاتِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يُبْصِرُ، وَلَكِنَّهُ لِقِصَرِ نَظَرِهِ يَجْهَلُ تَحْدِيدَ الْمَسَافَاتِ، فَيَحْسَبُ الْبَعِيدَ قَرِيبًا فَيَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَيْهِ لِيَتَنَاوَلَهُ وَإِنْ كَانَ قَمَرَ السَّمَاءِ وَلَا يَزَالُ يَغْلَطُ حِسُّهُ حَتَّى فِي طَوْرِ الْكَمَالِ:

3)    (الْهِدَايَةُ الثَّالِثَةُ) : الْعَقْلُ، خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ لِيَعِيشَ مُجْتَمِعًا وَلَمْ يُعْطَ مِنَ الْإِلْهَامِ وَالْوِجْدَانِ مَا يَكْفِي مَعَ الْحِسِّ الظَّاهِرِ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ كَمَا أُعْطِيَ النَّحْلُ وَالنَّمْلُ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ مَنَحَهَا مِنَ الْإِلْهَامِ مَا يَكْفِيهَا، لِأَنْ تَعِيشَ مُجْتَمِعَةً يُؤَدِّي كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهَا وَظِيفَةَ الْعَمَلِ لِجَمِيعِهَا، وَيُؤَدِّي الْجَمِيعُ وَظِيفَةَ الْعَمَلِ لِلْوَاحِدِ، وَبِذَلِكَ قَامَتْ حَيَاةُ أَنْوَاعِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.

أَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خَاصَّةِ نَوْعِهِ أَنْ يَتَوَفَّرَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِلْهَامُ، فَحَبَاهُ اللهُ هِدَايَةً هِيَ أَعْلَى مِنْ هِدَايَةِ الْحِسِّ وَالْإِلْهَامِ، وَهِيَ الْعَقْلُ الَّذِي يُصَحِّحُ غَلَطَ الْحَوَاسِّ وَالْمَشَاعِرِ وَيُبَيِّنُ أَسْبَابَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَصَرَ يَرَى الْكَبِيرَ عَلَى الْبُعْدِ صَغِيرًا، وَيَرَى الْعُودَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الْمَاءِ مُعْوَجًّا، وَالصَّفْرَاوِيَّ يَذُوقُ الْحُلْوَ مُرًّا. وَالْعَقْلُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِفَسَادِ مِثْلِ هَذَا الْإِدْرَاكِ.

4)    (الْهِدَايَةُ الرَّابِعَةُ) : الدِّينُ، يُغَلِّطُ الْعَقْلَ فِي إِدْرَاكِهِ كَمَا تَغْلَطُ الْحَوَاسُّ، وَقَدْ يُهْمِلُ الْإِنْسَانُ اسْتِخْدَامَ حَوَاسِّهِ وَعَقْلِهِ فِيمَا فِيهِ سَعَادَتُهُ الشَّخْصِيَّةُ النَّوْعِيَّةُ وَيَسْلُكُ بِهَذِهِ الْهِدَايَاتِ مَسَالِكَ الضَّلَالِ، فَيَجْعَلُهَا مُسَخَّرَةً لِشَهَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ حَتَّى تُورِدَهُ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْمَشَاعِرُ فِي مَزَالِقِ الزَّلَلِ، وَاسْتَرَقَّتِ الْحُظُوظُ وَالْأَهْوَاءُ الْعَقْلَ فَصَارَ يَسْتَنْبِطُ لَهَا ضُرُوبَ الْحِيَلِ، فَكَيْفَ يَتَسَنَّى لِلْإِنْسَانِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعِيشَ سَعِيدًا؟ وَهَذِهِ الْحُظُوظُ وَالْأَهْوَاءُ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ يَقِفُ الْإِنْسَانُ عِنْدَهُ وَمَا هُوَ بِعَائِشٍ وَحْدَهُ، وَكَثِيرًا مَا تَتَطَاوَلُ بِهِ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَهِيَ لِهَذَا تَقْتَضِي أَنْ يَعْدُوَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ عَلَى بَعْضٍ، فَيَتَنَازَعُونَ وَيَتَدَافَعُونَ، وَيَتَجَادَلُونَ وَيَتَجَالَدُونَ، وَيَتَوَاثَبُونَ وَيَتَنَاهَبُونَ حَتَّى يُفْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا تُغْنِيَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْهِدَايَاتُ شَيْئًا فَاحْتَاجُوا إِلَى هِدَايَةٍ تُرْشِدُهُمْ فِي ظُلُمَاتِ أَهْوَائِهِمْ، إِذَا هِيَ غَلَبَتْ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَتُبَيِّنُ لَهُمْ حُدُودَ أَعْمَالِهِمْ لِيَقِفُوا عِنْدَهَا وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عَمَّا وَرَاءَهَا. ثُمَّ إِنَّ مِمَّا أُودِعَ فِي غَرَائِزِ الْإِنْسَانِ الشُّعُورُ بِسُلْطَةٍ غَيْبِيَّةٍ مُتَسَلِّطَةٍ عَلَى الْأَكْوَانِ يَنْسِبُ إِلَيْهَا كُلَّ مَا لَا يَعْرِفُ لَهُ سَبَبًا. لِأَنَّهَا هِيَ الْوَاهِبَةُ كُلَّ مَوْجُودٍ مَا بِهِ قِوَامُ وُجُودِهِ، وَبِأَنَّ لَهُ حَيَاةً وَرَاءَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمَحْدُودَةِ، فَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِلَ بِتِلْكَ الْهِدَايَاتِ الثَّلَاثِ إِلَى تَحْدِيدِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ تِلْكَ السُّلْطَةِ الَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَوَهَبَهُ هَذِهِ الْهِدَايَاتِ وَغَيْرَهَا، وَمَا فِيهِ سَعَادَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ؟ كَلَّا إِنَّهُ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ الرَّابِعَةِ - الدِّينِ - وَقَدْ مَنَحَهُ اللهُ تَعَالَى إِيَّاهَا.

أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ 90: 10) أَيْ طَرِيقَيِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ تَشْمَلُ هِدَايَةَ الْحَوَّاسِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَهِدَايَةَ الْعَقْلِ وَهِدَايَةَ الدِّينِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (41: 17) أَيْ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى طَرِيقَيِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَسَلَكُوا سُبُلَ الشَّرِّ الْمُعَبِّرِ عَنْهُ بِالْعَمَى. وَذَكَرَ غَيْرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُمَا ثُمَّ قَالَ: بَقِيَ مَعَنَا هِدَايَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) (6: 90) فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَالْهِدَايَةُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ إِيقَافِ الْإِنْسَانِ عَلَى رَأْسِ الطَّرِيقَيْنِ: الْمُهْلِكُ، وَالْمُنْجِي، مَعَ بَيَانِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَهِيَ مِمَّا تَفَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَشَرِ. وَأَمَّا هَذِهِ الْهِدَايَةُ فَهِيَ أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ، وَالْمُرَادُ بِهَا إِعَانَتُهُمْ وَتَوْفِيقُهُمْ لِلسَّيْرِ فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالنَّجَاةُ مَعَ الدَّلَالَةِ، وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مَمْنُوحَةً لِكُلِّ أَحَدٍ كَالْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ وَشَرْعِ الدِّينِ.

وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ عُرْضَةً لِلْخَطَأِ وَالضَّلَالِ فِي فَهْمِ الدِّينِ وَفِي اسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ وَالْعَقْلِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْمَعُونَةِ الْخَاصَّةِ، فَأَمَرَنَا اللهُ بِطَلَبِهَا مِنْهُ فِي قَوْلِهِ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فَمَعْنَى " (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " دُلَّنَا دَلَالَةً تَصْحَبُهَا مَعُونَةٌ غَيْبِيَّةٌ مِنْ لَدُنْكَ تَحَفَظُنَا بِهَا مِنَ الضَّلَالِ وَالْخَطَأِ، وَمَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ دُعَاءٍ عَلَّمَنَا اللهُ إِيَّاهُ، إِلَّا لِأَنَّ حَاجَتَنَا إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِنَا إِلَى كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ (تفسير المنار)

الهداية هى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب وهداية الله للإنسان على ضروب:

1)   هداية الإلهام، وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يشعر بالحاجة إلى الغذاء ويصرخ طالبا له.

2)   هداية الحواس، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان الأعجم، بل هما فى الحيوان أتمّ منهما فى الإنسان، إذ إلهامه وحواسه يكملان بعد ولادته بقليل، ويحصلان في الإنسان تدريجا.

3)   هداية العقل، وهى هداية أعلى من هداية الحس والإلهام، فالإنسان قد خلق ليعيش مجتمعا مع غيره، وحواسّه وإلهامه لا يكفيان لهذه الحياة، فلا بد له من العقل الذي يصحح له أغلاط الحواس، ألا ترى الصفراوي يذوق الحلو مرّا، والرائي يبصر العود المستقيم فى الماء معوجّا.

4)   هداية الأديان والشرائع، وهى هداية لا بد منها لمن استرقّت الأهواء عقله، وسخّر نفسه للذاته وشهواته، وسلك مسالك الشرور والآثام، وعدا على بنى جنسه، وحدث بينه وبينهم التجاذب والتدافع- فبها يحصل الرشاد إذا غلبت الأهواء العقول، وتتبين للناس الحدود والشرائع، ليقفوا عندها ويكفّوا أيديهم عما وراءها- إلى أن فى غرائز الإنسان الشعور- بسلطان غيبى متسلّط على الأكوان، إليه ينسب كل ما لا يعرف له سببا، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، وهو بعقله لا يدرك ما يجب لصاحب هذا السلطان، ولا يصل فكره إلى ما فيه سعادته فى هذه الحياة فاحتاج إلى هداية الدين التي تفضل الله بها عليه ووهبه إياها.وإلى تلك الهدايات أشار الكتاب الكريم فى آيات كثيرات كقوله: (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أي طريقى الخير والشر والسعادة والشقاء. وقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر فاختاروا الثاني الذي عبر عنه بالعمى.

وهناك نوع آخر من الهداية وهو المعونة والتوفيق للسير فى طريق الخير، وهى التي أمرنا الله بطلبها فى قوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذ المراد- دلّنا دلالة تصحبها من لدنك معونة غيبية تحفظنا بها من الوقوع فى الخطأ والضلال.وهذه الهداية خاصة به سبحانه لم يمنحها أحدا من خلقه، ومن ثمّ نفاها عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وأثبتها لنفسه فى قوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) .

أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق، مع بيان ما يعقب ذلك من السعادة والفوز والفلاح، فهى مما تفضل الله بها على خلقه ومنحهموها، ومن ثم أثبتها للنبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .هذا- والصراط المستقيم هو جملة ما يوصل إلى السعادة فى الدنيا والآخرة من عقائد وأحكام وآداب وتشريع دينى كالعلم الصحيح بالله والنبوة وأحوال الكون وأحوال الاجتماع- وقد سمّى هذا صراطا مستقيما تشبيها له بالطريق الحسى، إذ كل منهما موصل إلى غاية، فهذا سير معنوى يوصل إلى غاية يقصدها الإنسان، وذاك سير حسىّ يصل به إلى غاية أخرى. وقد أرشدنا الله إلى طلب الهداية منه، ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد فى معرفة أحكام الشريعة، ونكلف أنفسنا الجري على سننها، لنحصل على خيرى الدنيا والآخرة (تفسير المراغي)

وقد منح الله تعالى للإنسان خمس هدايات يتوصل بها إلى سعادته «(2) تفسير المنار: 1/ 62، تفسير المراغي: 1/ 35» .

1)   هداية الإلهام الفطري: وتكون للطفل منذ ولادته، فهو يحس بالحاجة إلى الطعام والشراب، فيصرخ طالبا له إن غفل عنه والداه.

2)   هداية الحواس: وهي متممة للهداية الأولى، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان، بل هما في البداية أكمل في الحيوان من الإنسان، إذ إلهام الحيوان يكمل بعد ولادته بقليل، ويكتمل في الإنسان تدريجيا.

3)   هداية العقل: وهي أسمى من الهدايتين السابقتين، فالإنسان خلق مدنيا بالطبع ليعيش مع غيره، ولا يكفي الحس الظاهر للحياة الاجتماعية، فلا بد له من العقل الذي يوجهه إلى مسالك الحياة، ويعصمه من الخطأ والانحراف، ويصحح له أغلاط الحواس، والانزلاق في تيارات الهوى.

4)   هداية الدين: وهي الهداية التي لا تخطئ، والمصدر الذي لا يضل، فقد يخطئ العقل، وتنجرف النفس مع اللذات والشهوات، حتى توردها موارد الهلاك، فيحتاج الإنسان إلى مقوّم مرشد هاد لا يتأثر بالأهواء، فتسعفه هداية الدين لإرشاده إلى الطريق الأقوم، إما بعد الوقوع في الخطأ أو قبله، وتظل هذه الهداية هي الحارس الأمين الذي يفيء إليها الإنسان للتزود بمفاتيح الخير، والتسلح بمغلاق الشر، فيأمن العثور، ويضمن النجاة، وتعرّفه بحدود ما يجب عليه لسلطان الله الذي يخضع له في أعماق نفسه، ويحس بالحاجة الملحة لصاحب ذلك السلطان، الذي خلقه وسواه، وأنعم عليه نعما ظاهرة وباطنة، لا تعد ولا تحصى. فصارت هذه الهداية أشد ما يحتاج إليها الإنسان، لتحقيق سعادته.

وقد أشار القرآن إلى تلك الهدايات في آيات كثيرة، منها وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد 90/ 10] أي بينا له طريقي الخير والشر، والسعادة والشقاء. ومنها قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ، فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت 41/ 17] أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر، فاختاروا الثاني.

5)    هداية المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة: وهي أخص من هداية الدين، وهي التي أمرنا الله بدوام طلبها في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي دلنا دلالة، تصحبها من لدنك معونة غيبية، تحفظنا بها من الضلال والخطأ. وهذه الهداية خاصة به سبحانه، لم يمنحها أحدا من خلقه، بل نفاها عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص 28/ 56] ، وقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة 2/ 272] ، وأثبتها لنفسه في قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام 6/ 90] .

أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق، فأثبتها الله للنّبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى 42/ 52] .

والخلاصة: الهداية في القرآن نوعان: هداية عامة: وهي الدلالة إلى مصالح العبد في معاده، وهذه تشمل الأنواع الأربعة السابقة، وهداية خاصة: وهي الإعانة والتوفيق للسير في طريق الخير والنجاة، مع الدلالة، وهي النوع الخامس والإضلال نوعان «1» : أحدهما- أن يكون سببه الضلال: إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي ضلّ عني، وإما أن تحكم بضلاله. والضلال في هذين سبب الإضلال. والثاني- أن يكون الإضلال سببا للضلال: وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضلّ.

وإضلال الله تعالى للإنسان على أحد وجهين: إما الحكم عليه بالضلال، أو التّمكين من البقاء في الضلال. والأول- سببه الضلال: وهو أن يضل الإنسان، فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة، وذلك إضلال هو حق وعدل، لأن الحكم على الضال بضلاله والعدول به عن طريق الجنة إلى النار عدل وحق. والثاني- سببه اختيار الإنسان: وهو أن يختار الإنسان طريق الانحراف، فيمده الله في ضلاله، ويمكّنه من البقاء في طغيانه، ويخلق له القدرة على الاستمرار في كفره وفساده، لذا نسب الله الإضلال للكافر والفاسق، دون المؤمن، بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن، فقال: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ [التوبة 9/ 115] ، فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ [محمد 47/ 4- 5] ، وقال في الكافر والفاسق: فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد 47/ 8] ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة 2/ 26] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ [غافر 40/ 74] ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم 14/ 27] ، وعلى هذا النحو تقليب الأفئدة في قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ [الأنعام 6/ 110] ، والختم على القلب في قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة 2/ 7] ، وزيادة المرض في قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة 2/ 10] ، فمن اختار الضلالة، أبقاه الله فيها، ومنع عنه نفوذ الهداية إلى قلبه، عقابا له من الله تعالى.( التفسير المنير)